محمد حسين علي الصغير

33

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

ويفارق دينه لها ، تشبيها بالقائم على حرف مهواة ، فأدنى عارض يزلقه ، وأضعف دافع يطرحه » « 1 » . ج - وفي قوله تعالى وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ « 2 » ، تبرز استقلالية الشريف الرضي في الرأي ، وشخصيته في النّقد ، واعتداده بصميم بلاغة العرب فيقول : « وهذه استعارة لأن تبوؤ الدار هو استيطانها والتمكن فيها ، ولا يصح حمل ذلك على حقيقته في الإيمان ، فلا بد إذن من حمله على المجاز والاتساع . فيكون المعنى أنهم استقروا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان . وهذا من صميم البلاغة ، ولباب الفصاحة ، وقد زاد اللفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقا . ألا ترى كم بين قولنا : استقروا في الإيمان ، وبين قولنا : تبوءوا . وأنا أقول أبدا : إن الألفاظ خدم للمعاني ، لأنها تعمل في تحسين معارضها ، وتنميق مطالعها » « 3 » . وحديثنا عن « تلخيص البيان » قد يطول لو استرسلنا فيه ، وفيما قدمناه من نماذج غناء في إقرار منهج هذه الدراسة القائمة على سبيل الإشارة والتلميح العابر لجهود المؤصلين . والأمر المنظور لدى الشريف الرضي في تلخيص البيان يتجلى في عدة حقائق نشير إليها : 1 - استقلالية في المنهج والفكر ، وأولويته في أولية هذا المنهج البلاغي كتابا مستقلا ، وكيانا قائما في مجاز القرآن . 2 - تورعه في ذات اللّه عن الجزم في المعنى القرآني ، إذ طالما نجده يبدأ تعقيبه على الآية بعبارة : واللّه أعلم . 3 - هذه العبارة المشرقة ، وهذا الأسلوب الحديث ، وذلك التدافع في الألفاظ ، وكأنك تقرأ فيه بلاغي اليوم لا بلاغي القرن الرابع الهجري .

--> ( 1 ) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 237 . ( 2 ) الحشر : 9 . ( 3 ) الشريف الرضي ، تلخيص البيان : 330 .